الشنقيطي

186

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال القاسم : كانت عائشة تقول : لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع . ذلك حلال . وتتلو هذه الآية : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ [ الأنعام : 145 ] الآية . قال مقيده : - عفا اللّه عنه - اعلم أنا نريد في هذا المبحث أن نبين حجة من قال بعدم تحريم لحوم السباع والحمير ونحوها ، وحجة من قال بمنعها ، ثم نذكر الراجح بدليله . واعلم أولا : أن دعوى أنه لا يحرم مطعوم غير الأربعة المذكورة في هذه الآية ، باطلة . بإجماع المسلمين لإجماع جميع المسلمين ، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر فهو دليل قاطع على تحريم غير الأربعة . ومن زعم أن الخمر حلال لهذه الآية . فهو كافر بلا نزاع بين العلماء ، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذين استدلوا بهذه الآية على عدم تحريم ما ذكر قالوا : إن اللّه حصر المحرمات فيها في الأربعة المذكورة ، وحصرها أيضا في النحل فيها في قوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ النحل : 115 ] لأن إنما أداة حصر عند الجمهور ، والنحل بعد الأنعام ، بدليل قوله في النحل وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ [ النحل : 118 ] الآية . والمقصوص المحال عليه هو المذكور في الأنعام في قوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [ الأنعام : 146 ] الآية ، ولأنه تعالى قال في الأنعام : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] الآية . ثم صرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل في قوله : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [ النحل : 35 ] الآية . فدل ذلك على أن النحل بعد الأنعام ، وحصر التحريم أيضا في الأربعة المذكورة في سورة البقرة في قوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ [ البقرة : 173 ] فقالوا : هذا الحصر السماوي الذي ينزل به الملك مرة بعد مرة في مكة في الأنعام ، والنحل ، وفي المدينة عند تشريع الأحكام في البقرة لا يمكننا معارضته ، ولا إخراج شيء منه إلا بدليل قطعي المتن . متواتر كتواتر القرآن العظيم . فالخمر مثلا دل القرآن على أنها محرمة فحرمناها ، لأن دليلها قطعي . أما غيرها ، كالسباع والحمر والبغال : فأدلة تحريمها أخبار آحاد يقدم عليها القاطع وهو الآيات المذكورة آنفا . تنبيه اعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره من أن زيادة تحريم السباع والحمر مثلا بالسنة على